محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1056
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وجميع حركات أهل النار اضطرارية : « ثم نضطره إلى عذاب النار » وكأنّ المؤمن في الدعاء الثالث يستعيذ من حركات أهل النار حين حمّلوهم ما لا طاقة لهم به . وأمّا الدعوات التي على صيغة الإثبات : فقوله : وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أي واغفر لنا ذنوبنا وارحمنا بقبول طاعاتنا ، وهذه الثلاث تتعلّق بالآخرة : فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ تتعلّق بالدنيا ، وما لم يكن المؤمن معفوّا مغفورا مرحوما لا يكون منصورا ؛ وقد ينصر اللّه الدين بقوم لا خلاق لهم في الآخرة ، وهاهنا عفو ومغفرة ورحمة ، ثمّ النصرة ممتازة عنها ولذلك فصلها بالفاء ؛ فالعفو محو السيّئة بحيث لا يبقى لها أثر : عفت الريح التراب ؛ والمغفرة سترها بحيث يبقى أثرها ولا تبقى عنها ظاهرة ، ومنه المغفر ؛ والرحمة : الشفقة والنعمة ، وكأنّ الداعي ( 433 آ ) يسأل المحو والستر والنعمة . فمن الذنوب ما يجب أن لا يبقى أثرها أصلا في النفس حتّى يخلص العبد عن تبعتها ، ومنها ما يجب سترها وإن بقي أثرها في النفس ، ومنها ما يتجاوز عنها ، فلا يبقي عينها ولا أثرها ، ويجعل بدلها نعمة : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فقد علّم اللّه تعالى المؤمنين كيف يدعونه ، فيستجيب دعاءهم ، ثمّ عقّب ذلك بقوله : أَنْتَ مَوْلانا أي متولّي أمورنا وناصرنا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ وإضمار قولوا أو يقولون مستغنى عنه ؛ لأنّ قوله : وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا كاف ؛ وقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها كالمعترض في البين ، والذي يدخل في الكلام عرضا غير ، والذي يجري على متن المقصود غير ، وفي القرآن مثله كثير . وسرّ آخر : أنّ انتهاء السورة على نسق ابتدائها ، ومبدأها يلاقي كمالها ، كما يلاقي الآخر الأوّل ؛ ففي الأوّل إيمان المؤمنين بما أنزل إلى النبيّ ، وفي الآخر إيمان النبيّ بما أنزل إليه من ربّه ؛ وفي الأوّل إيمان المؤمنين بالغيب ، وفي الآخر إيمان النبيّ ليلة المعراج بالشهادة ؛ وفي الأوّل صفات المؤمنين بالغيب بإقامة الصلاة والزكاة ، وفي الآخر صفات المؤمنين بالسمع والطاعة وذكر الدعوات المستجابات ؛ وفي أوّل السورة ذكر الكافرين بأنّهم لا يؤمنون ، وفي آخرها ذكر المؤمنين بالنصرة على الكافرين وإهلاكهم أجمعين . وفي أوّل السورة : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا على المشابهة بين الحقّ والباطل ، وفي آخرها وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بالهلاك على المباينة بين الحقّ والباطل .